إسهامات

المرأة الإباضية في مزاب كانت تعيش بعيدة عن العلم ومجالسه فلم تخصص لها مدارس ولا أوقات لأخذ نصيبها من العلم إلا ما كانت تأخذه عن طريق السماع والتلقين من دور النساء والمساجد، ولكن الله تعالى يقيض لكل جيل من يقود المشعل ويقوم بدور المرشد الأمين ليبدد ظلمات الجهل الديني عن القلوب ويحبب العلم والتعلم إلى النفوس حتى لا تنقطع حجة الله في الأوساط النسوية عبر العصور.

وهذه المرأة العالمة العظيمة التي نريد أن نحدثك عنها - عزيزي القارئ - واحدة من هذه المشاعل الوهاجة في بداية هذا القرن ونهاية سابقه.

مولدها ونشأتها:

في سنة 1272ه 1855م ولدت عائشة في "آت مليشت" من ولاية غرداية عندما كان أبوها الشيخ عمر بن سلیمان نوح اليزقني يعيش في منفاه بمليكة العليا.. وقبل أن ترضع لبن أمها اشربها أبوها غسيل سورة الشرح رجاء أن تنشأ عالمة للدين والدنيا، ورباها هناك تربية دينية علمية على خلق القرآن.

تعلمها:

يقول الشيخ أبو اليقظان في كتابه فذات النساء ص11: "قمر منیر سطع نوره من أقطاب زمانها في سماء يزقن، أبوها الشيخ عمر بن سليمان، وزوجها قطب الأئمة الشيخ اطفيش رحمه الله، أخذت من الأول مبادئ دينها وعلومها الأولية، وأخذت من الثاني بقية الفنون فكانت عالمة نابغة ولا سيما في علوم الميراث" الذي يظهر أنها استعانت فيه كثيرا بأخيها الفرضي اللامع الشيخ عبد الرحمن بن عمر نوح.

أعمالها الاجتماعية ومواقفها:

1) فتحت منزلها أمام المسجد لتعليم البنات وبعض الصبيان القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم.

2) تقوم بمهمة الوعظ والإرشاد في المجالس النسوية بصوت جهوري مؤثر، وتفتي لهن في المسائل الدينية الخاصة بهن، وتفسر لهن القرآن الكريم.

3) كانت تناقش علماء زمانها وتستزيد منهم العلم وتصحح فتاويها عندهم مثل: الشيخ الحاج سليمان بن بکیر مطهري والشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي والشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى وغيرهم ...

4) كانت شديدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصريحة في الحق إلى حد الثورة.

5) لقد شجعها وجودها بجوار المسجد على عمارة بيت الله وحضور صلاة الجماعة فيه بدون انقطاع والاستفادة من دروس المشائخ.

6) لقد كانت تحب العلم وتشجع الصبيان والبنات عليه بإهداء أدوات الكتابة لهم مثل الأقلام والحبر.

وفاتها:

وبعد هذا الجهاد العظيم أمام الجهل والرذيلة توفاها الله سنة 1356ه/1938م رحمها الله برحماته الواسعة في دار الخالدين.

ألقابها:

كانت تعرف بـ "عائشة ن الشيخ" أو "عائشة بنت عمر تَعَزَّابْتْ" رغم أنها لم تكن عضوا في حلقة -المرشدات- ببني يزقن إلا أنها انتزعت لقب تَعَزَّابْتْ لأن الغير لا يستغني عنها في بعض وظائفها الأساسية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بمهمة الوعظ والإرشاد ومرافقة المرشدات لحضور مؤتمر الا إله إلا الله، جميع قرى وادي مزاب للفتوى والتوعية الدينية.. وهذا دأبها جميع تنقلاتها عبر مدن مزاب لا تخاف في الله لومة لائم وخاصة إذا سمعت بانحراف خلقي أو ديني صدر من أحد فإنها تشدد النكير عليه أو عليها بكل ما أوتيت من قوة في الحق.

وهكذا عاشت هذه المرأة العظيمة لإعلاء كلمة الله ومحاربة الجهل في النفوس دون كلل ولا ملل بكل الوسائل الممكنة وتضاعف جهودها في ذلك عندما يحل شهر رمضان المعظم والتجمعات النسوية الخاصة والعامة هنا وهناك.

أختي المسلمة إلى مثل هذا العلم أقبلي، ولمثل هذه الأهداف النبيلة يجب أن يكون سعيك في الحياة حتى يخلد الله اسمك في ذاكرة الخلود مثل هذه العالمة التي أصبحت المؤسسات العلمية تتشرف بالانتساب إليها.. لأنها لم تعش لنفسها بل عاشت للجميع راضية مرضية.. وهي التي يصدق عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا الأحزاب: 35.

-بتصرف-

المصدر: كتاب مسلمات صالحات في روضة الإيمان. تأليف: بكير بن سعيد اعوشت وأحمد بن حمو كروم. ص101-105.

شاركنا بتعليقك